الرسالة الثانية:ومنها رسالة إلى محمد بن عيد، مطوع ثرمداء، وكان قد أرسل إليه كتابًا فيه كلام حسن في تقرير التوحيد وغيره، وطلب من الشيخ، ﵀، أن يبين له إن كان فيه شيء يخفاه، فكتب له، ﵀:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى الأخ: محمد بن عبا، د وفقه الله لما يحبه ويرضاه؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، وصلنا أوراق في التوحيد، بها كلام من أحسن الكلام، وفقك الله للصواب، وتذكر فيه أن ودّك نبين لك إن كان فيها شيء غاترك؛ فاعلم، أرشدك الله، أن فيها مسائل غلط:
الأولى: قولك: أول واجب على كل ذكر وأنثى: النظر في الوجود، ثم معرفة العقيدة، ثم علم التوحيد. وهذا خطأ، وهو من علم الكلام الذي أجمع السلف على ذمه.
وإنما الذي أتت به الرسل: أول واجب: هو التوحيد – ليس النظر في الوجود، ولا معرفة العقيدة، كما ذكرته أنت في الأوراق – أن كل نبي يقول لقومه: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.
الثانية: قولك في الإيمان بالله وملائكته … إلخ: والإيمان: هو التصديق الجازم بما أتى به الرسول. فليس كذلك، وأبو طالب عمه جازم بصدقه، والذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، والذين يقولون: الإيمان هو التصديق الجازم هم الجهمية، وقد اشتد نكير السلف عليهم في هذه المسألة.
الثالثة: قولك: إذا قيل للعامي ونحوه: ما الدليل على أن الله ربك؟ ثم ذكرت ما الدليل على اختصاص العبادة بالله، وذكرت الدليل على توحيد الألوهية.
فاعلم أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان، كما في قوله: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ مَلِكِ النّاسِ إلَهِ النّاسِ﴾ ١، وكما يقال: رب العالمين، وإله المرسلين. وعند الإفراد يجتمعان، كما في قول القائل: من ربك؟ مثاله: الفقير والمسكين، نوعان في قوله: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ ٢، ونوع واحد في قوله: ﴿افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرد إلى فقرائهم﴾ ٣. إذا ثبت هذا، فقول الملكين للرجل في القبر: من ربك؟ معناه: من إلهك؟ لأن الربوبية التي أقرّ بها المشركون ما يمتحن أحد بها، وكذلك قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلاَّ أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ ٤، وقوله: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ ٥، وقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ ٦، فالربوبية في هذا هي الألوهية، ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة لها عند الاقتران. فينبغي التفطن لهذه المسألة. الرابعة: قولك في الدليل على إثبات نبوة محمد ﷺ: ودليله ٧: الكتاب والسنة …، ثم ذكرت الآيات: كلام من لم يفهم المسألة، لأن المنكر للنبوة أو الشاك فيها إذا استدللت عليه بالكتاب والسنة، يقول كيف تستدل عليّ بشيء ما أتى به إلا هو؟ والصواب في المسألة أن تستدل عليه بالتحدي بأقصر سورة من القرآن، أو شهادة علماء أهل الكتاب، كما في قوله
﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائيلَ﴾ ١، أو لكونهم يعرفونه قبل أن يخرج، كما في قوله تعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢ الآية، إلى غير ذلك من الآيات التي تفيد الحصر، وتقطع الخصم.
الخامسة: قولك: اعلم يا أخي، لا علمت مكروهًا. فاعلم: أن هذه كلمة تضاد التوحيد؛ وذلك أن التوحيد لا يعرفه إلا من عرف الجاهلية، والجاهلية هي المكروه. فمن لم يعلم المكروه، لم يعلم الحق. فمعنى هذه الكلمة: اعلم، لا علمت خيرًا، ومن لم يعلم المكروه ليجتنبه، لم يعلم المحبوب. وبالجملة، فهي كلمة عامية جاهلية، ولا ينبغي لأهل العلم أن يقتدوا بالجهال.
السادسة: جزمك بأن النبي ﷺ قال: «اطلبوا العلم ولو من الصين»، فلا ينبغي أن يجزم الإنسان على رسول الله ﷺ بما لا يعلم صحته، وهو من القول بلا علم. فلو أنك قلت: ورُوي، أو ذكر فلان، أو ذُكر في الكتاب الفلاني، لكان هذا مناسبًا؛ وأما الجزم بالأحاديث التي لم تصح فلا يجوز. فتفطن لهذه المسألة، فما أكثر من يقع فيها!
السابعة: قولك في سؤال الملكين: والكعبة قبلتي، وكذا وكذا. فالذي علمناه عن رسول الله ﷺ، أنهما يسألان عن ثلاث: عن التوحيد، وعن الدين، وعن محمد ﷺ. فإن كان في هذا عندكم رابعة، فأفيدونا؛ ولا يجوز الزيادة على ما قال الله ورسوله.الثامنة: قولك في الإيمان بالقدر: إنه الإيمان بأن لا يكون صغير ولا كبير إلا بمشيئة الله وإرادته، وأن يفعل المأمورات ويترك المنهيات. وهذا غلط، لأن الله سبحانه له الخلق والأمر، والمشيئة والإرادة، وله الشرع والدين. إذا ثبت هذا، ففعل المأمورات وترك المنهيات هو الإيمان بالأمر، وهو الإيمان بالشرع والدين، ولا يذكر في حد الإيمان بالقدر.
التاسعة: قولك ١: الآيات التي في الاحتجاج بالقدر، كقوله تعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ ٢ الآية، ثم قلت: فإياك والاقتداء بالمشركين في الاحتجاج على الله! وحسبك من القدر الإيمان به. فالذي ذكرنا ٣ في تفسير هذه الآيات غير المعنى الذي أردت، فراجعه وتأمله بقلبك. فإن اتضح لك، وإلا فراجعني فيه، لأنه كلام طويل.
العاشرة: وأخرناها لشدة الحاجة إليها: قولك: إن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ قد أقروا بتوحيد الربوبية. ثم أوردت الأدلة الواضحة على ذلك: وإنما قاتلهم رسول الله ﷺ عند توحيد الألوهية؛ ولم يدخل الرجل في الإسلام بتوحيد الربوبية إلا إذا انضم إليه توحيد الألوهية. فهذا كلام من أحسن الكلام وأبينه تفصيلًا، ولكن العام، لما وجّهنا ٤ إليه إبراهيم، كتبوا له علماء سدير مكاتبة، وبعثها لنا وهي عندنا الآن، ولم يذكروا فيها إلا توحيد الربوبية، فإذا كنت تعرف هذا، فلأي شيء ما أخبرت إبراهيم ونصحته؟ إن هؤلاء ما عرفوا التوحيد، وإنهم منكرون
دين الإسلام. وكذلك أحمد بن يحيى راعي رغبة عداوته لتوحيد الألوهية والاستهزاء بأهل العارض لما عرفوه، وإن كان يقرُّ به أحيانًا عداوة ظاهرة لا يمكن أنها لا تبلغك. وكذلك ابن إسماعيل، إنه نقض ما أبرمت في التوحيد، وتعرف أن عنده الكتاب الذي صنفه رجل من أهل البصرة، كله من أوله إلى آخره في إنكار توحيد الألوهية، وأتاكم به ولد محمد بن سليمان راعي وثيثية، وقرأه عندكم وجادل به جماعتنا؛ وهذا الكتاب مشهور عند المويس وأتباعه، مثل ابن سحيم وابن عبيد، يحتجون به علينا ويدعون الناس إليه، ويقولون: هذا كلام العلماء.
فإذا كنت تعرف أن النبي ﷺ ما قاتل الناس إلا عند توحيد الألوهية، وتعلم أن هؤلاء قاموا وقعدوا، ودخلوا وخرجوا، وجاهدوا ليلًا ونهارًا في صد الناس عن التوحيد، يقرؤون عليهم مصنفات أهل الشرك، لأي شيء لم تظهر عداوتهم وأنهم كفار مرتدون؟ فإن كان باين لك أن أحدًا من العلماء لا يكفّر من أنكر التوحيد، أو أنه يشك في كفره، فاذكره لنا وأفِدْنا. وإن كنت تزعم أن هؤلاء فرحوا بهذا الدين وأحبوه، ودعوا الناس إليه، ولما أتاهم تصنيف أهل البصرة في إنكار التوحيد كفّروه وكفّروا من عمل به، وكذلك لما أتاهم كتاب ابن عفالق الذي أرسله المويس لابن إسماعيل، وقدم به عليكم العام، وقرأه على جماعتكم؛ يزعم فيه أن التوحيد دين ابن تيمية، وأنه لما أفتى به كفّره العلماء وقامت عليه القيامة، إن كنت تقول ما جرى من هذا شيء فهذا مكابرة. وإن كنت تعرف أن هذا هو الكفر الصراح، والردة الواضحة، ولكن تقول: أخشى الناس، فالله أحق أن تخشاه. ولا تظن أن كلامي هذا معاتبة وكلام عليك، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنه نصيحة، لأن كثيرًا ممن واجهناه وقرأ علينا، يتعلم هذا ويعرفه بلسانه،
فإذا وقعت المسألة لم يعرفها؛ بل إذا قال له بعض المشركين: نحن نعرف أن رسول الله لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، وأن النافع الضار هو الله، يقول: جزاك الله خيرًا، ويظن أن هذا هو التوحيد؛ ونحن نعلّمه أكثر من سنة: أن هذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون. فالله الله في التفطن لهذه المسألة! فإنها الفارقة بين الكفر والإسلام. ولو أن رجلًا قال: شروط الصلاة تسعة، ثم سردها كلها، فإذا رأى رجلًا يصلي عريانًا بلا حاجة، أو على غير وضوء، أو لغير القبلة، لم يدر أن صلاته فاسدة، لم يكن قد عرف الشروط، ولو سردها بلسانه.
ولو قال: الأركان أربعة عشر، ثم سردها كلها، ثم رأى من لا يقرأ الفاتحة، ومن لا يركع، ومن لا يجلس للتشهد، ولم يفطن أن صلاته باطلة، لم يكن قد عرف الأركان، ولو سردها. فالله الله في التفطن لهذه المسألة! ولكن أشير عليك بعزيمة أنك تواصلنا ١، ونتذاكر معك. وكذلك أيضًا من جهة البدع، قيل لي: إنك تقول فيها شيئًا ما يقوله الذي هو عارف مسألة البدع، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
١ سورة الناس الآية: ١-٣.
٢ سورة التوبة آية: ٦٠.
٣ لبخاري: الزكاة (١٣٩٥، ١٤٥٨، ١٤٩٦) والمظالم والغصب (٢٤٤٨) والمغازي (٤٣٤٧) والتوحيد (٧٣٧١، ٧٣٧٢)، ومسلم: الإيمان (١٩)، والترمذي: الزكاة (٦٢٥)، والنسائي: الزكاة (٢٤٣٥)، وأبو داود: الزكاة (١٥٨٤)، وابن ماجة: الزكاة (١٧٨٣)، وأحمد (١/٢٣٣)، والدارمي: الزكاة (١٦١٤).
٤ سورة الحج آية: ٤٠.
٥ سورة الأنعام آية: ١٦٤.
٦ سورة فصلت آية: ٣٠، والأحقاف آية: ١٣.
٧ المخطوطة والمصورة بدون (واو).
١ سورة الشعراء آية: ١٩٧.
٢ سورة البقرة آية: ٨٩.١ في المصورة: (إيرادك).
٢ في المصورة زيادة: (نحن ولا آباؤنا)، والآية ٣٥ من سورة النّحل.
٣ في المصورة: (فالذي ذكر) بدون (نا).
٤ في المصورة: (واجهنا).١ في المصورة والمخطوطة (تاصلنا).